محمد غازي عرابي

867

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

لأن آدم كان الوسيلة الإلهية الوحيدة لإظهار كل خفايا الوجود العقلي الباطن ، فلا الملاك ولا الحيوان ولا الأجرام ولا الجبال ولا السماوات ولا الأرض بقادرة على حمل الأمانة الإلهية التي هي كنوز العلم الإلهي ، والمسماة الأسماء والصفات ، والتي حملها الإنسان وحده ، فالإنسان جسر بين العوالم ، ومن دون الجسر لا مجال للانتقال من شاطئ الروح إلى عالم المادة ، ولا من العالم المعقول إلى العالم المحسوس ومن دون آدم ما كان للّه أن يظهر في صورة كما قال عليه السّلام : رأيت ربي في صورة شاب أمرد . فحقيقة النفس والقلب والروح واحدة ألا وهي اللّه ، والنفس لقربها من عالم الحس عرضة للشهوات والسقطات كما قال سبحانه : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) ولكن النفس قادرة في الوقت نفسه على النهوض من كبوتها والعروج في سماء الروح والمعقولات حتى بلوغ اللّه عز وجل ، ويقع هذا في فلك النفس ذاتها ، أي دون أن تفارق النفس هيكلها ، والإسراء بالبدن والعروج به خاص بالرسول عليه السّلام وحده ، ولهذا ما أثر عن أحد من الأنبياء والأولياء أنه قد أسرى به وعرج به كما حدث لمحمد عليه السّلام ، والباقون وهم الكمل من الأنبياء والورثة قد عاشوا العروج في رحلة داخل الذات ، وقال ابن عربي وتحسب أنك جرم صغير ، وفيك انطوى العالم الأكبر ، فيا أيها الإنسان ، يا من انطوى فيك سر العالم الأكبر ، كن قلب القرآن يس ، فبالياء والسين تطوي السماوات والأرضين حتى تبلغ آفاق ربك العلياء ، حيث الأنوار مشعشعة في الأمداء ، تستقبلك كما تستقبل الأم وليدها ، تضمه إلى صدرها ، وترضعه لبن العلم والحياة الحقيقية . [ سورة يس ( 36 ) : آية 38 ] وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 38 ) [ يس : 38 ] مستقر الشمس ما تنتهي إليه ، فالذات ، والشمس لها رمز ، هي التي تقوم بهذه الرحلة الوجودية انطلاقا من العقل الفعال إلى النفس الكلية ثم إلى النفوس الجزئية ، وقلنا إن حقيقة الثلاثة واحدة وهي الحقيقة الإلهية ، لهذا قال ابن عربي : إن اللّه اقتطع من ذاته قطعة لم تكن به متصلة لتكون عنه بعد ذلك منفصلة . والصوفية وجدوا اللّه في عقر دارهم بعد أن أوغلوا في كشوفاتهم حتى نفوا أنفسهم ، أخيرا ، وردوها إلى اللّه ، قرع رجل باب دار البسطامي فقال من تريد ؟ قال : أبا يزيد ، فقال أبو يزيد : مر ، فليس في البيت إلا اللّه ، وقال أيضا : يا مجمع أفكاري ما غيرك في الدار ، ولقد بينا كيف يكون الإنسان مستودع الصفات فقط ، وأن ليس له من الأمر شيء ، فإذا انكشفت الصفات في الإنسان ، وهو الإنسان الكامل بخاصة ، فني الإنسان وما بقي إلا الهيكل ، وهذه الدورة بدآ من عمل الصفات عملها في الهيكل البشري وانتهاء بظهور الإنسان الكامل ، كما